كيف تهاجم الشجاعة في أمريكا
وقائع وحقائق حملة المخابرات الفيدرالية الامريكية في مهاجمة ناشط السلام حاتم أبودية ومناهضي الحرب وداعمي العدالة الاجتماعية في أمريكا
بقلم أماني موسى شنك- شيكاغو
كانت صبيحة الرابع والعشرون من أيلول الماضي سنة 2010 كابوسا مريرا لعائلة ناشط السلام في شيكاغو والرئيس التنفيذي لشبكة العمل العربية الامريكية حاتم أبو دية. حيث داهمت بيتهم الواقع في شمال شيكاغو فرقة من عشرة ضباط مخابرات امريكيين فيدراليين. ودوت في بيته كالعاصفة لم تترك غرفة او مكتبا إلا قلّبته، حتى غرفة ابنته الصغيرة ذات الخمسة أعوام وقصصها البريئة وقعت محط شك ريبة. وبات مابحوزتهم ليس ملكا لهم حيث تم مصادرت اوراق شخصية وفواتير ومعظم الملفات والكتب وأجهزت الحاسوب وغيرها في عملية صيد للمجهول. يقول أبودية: "لم نر الكثير مما أخذوا ولكنهم أخذوا كل ما كتب عليه اسم فلسطين". والجدير بالذكر أن أبو دية لم يكن موجودا في بداية التفتيش فقد عاد إلى منزله جراء تلقّيه تلفونا من زوجته نعمة تخبره بالحدث المروع؛ ليجد الفرقة تعوث في كل مكان، ثم منعوه من ملاحقتهم في تفتيشهم والزموه وعائلته الجلوس وعدم التدخل.
وفي اليوم ذاته غادرت الفرقة وغيرها منازل عددا من الناشطين في الولايات المتحدة بعد ساعات طويلة من التفتيش امتدت في بعض المنازل إلى عشرة ساعات. تم بها التفتيش على أي شيء وكل شىء بدون تحديد. وتاركة عائلات مرعوبة تشخص بمستقبل مبهم. وقد سلمت لكل من المستهدفين أمر استدعاء من المدعي العام "إرك هولدر" للمثول أمام هيئة المحلفين الكبرى. وفي كانون الأول من نفس العام تم استدعاء تسعة آخرين من بينهم ستة من أصل فلسطيني والباقي لهم علاقة في دعم عملية السلام في فلسطين. ليرتفع عدد الناشطين المستهدفين إلى ثلاثة وعشرين ناشط.
ومما يستعصي على الفهم الهجوم الخطير على الناشطين السياسيين وانتهاك حقوق المواطنين الأمريكيين بهذه الطريقة الهمجية دون أي دليل إجرامي أوشكوى ضدّهم، وفي دولة رائدة في المناداة بحقوق الانسان وحريات الشعوب، الذي ليس إلا ستارا لحماية سياساتها العنصرية.
من هم هؤلاء الأربعة والعشرين ولماذا تم استدعائهم للمثول أمام هيئة المحلفين الكبرى؟ وماهي مذكرة الاستدعاء هذه؟ لعل هذه الأسئلة وغيرها تشغل الاذهان وتحتاج إلى اجابة عاجلةا.
يقول حاتم أبودية:" إن السبب الرئيسي في ملاحقة الناشطين المستهدفين هو تصاعد التضامن للكثير من المنظمات الحقوقية والإجتماعية والإثنية ومنظمات حقوق الهجرة والتجنيس، لمناصرة العدالة الانسانية والسلام، ومناهضة سياسات امريكا الخارجية العنصرية في الحرب. وتوحيد عملهم في حملات منظمة وأنشطة سلمية فاعلة، وخاصة في كشف حقيقة الدولة الاسرائيلية كدولة عنصرية وفضع انتهاكاتها اللانهائية لحقوق الفلسطينيين. مما له الأثر الكبير في انعطاف الرأي العام ضد اسرائيل ومقاومة سياسات أمريكا المتحيزة معها".
ويضيف: "كما أدى ذلك النشاط إلى ازدياد اعداد الشباب الأمريكيين المتطوعين في الحملات الانسانية من الولايات المتحدة ألى غزة والقطاع. وارتفاع حملات المقاطعة للبضائع الاسرائيلية. ومنع الكثير من السياسيين الاسرائيليين من التحدث في منابر الجامعات الأمريكية والهيئات العامة، ومنهم من لا يستطيع أن يدخل الكثير من الدول الأوروبية بسبب مقاضاتهم من قبل منظمات حقوقية مماثلة هناك".
هذا بالاضافة إلى نشاط الحقوقيين في الدفاع المشترك لحقوق المهاجرين والعمل المنظم لإعادة تشكيل قوانين الهجرة والتجنيس."
إن الثلاثة والعشرين المستهدفين في عملية الصيد التعسفي يتراوح أعمارهم من العشرينات إلى السبعينات. ومنهم أمهات وآباء وأجداد، ومنهم طلاب ومتقاعدين، وتختلف أصولهم وأديانهم بين المسلم والمسيحي واليهودي. ويشتركون بأنهم رفعوا صوتهم منبرا يصدح للحرية والعدالة الاجتماعية والدولية وتطبيقا لمفاهيم المساواة والانسانية. هم اللذين تحلّوا بشجاعة الأسود وكان زئيرهم بالحق يهدد الوغود وجديرا بأن يثير التخوف من مستقبل مسيرتهم المثمرة. والتجهيزالفوري لردعهم. ومع انهم من ولايات مختلفة إلا أن شيكاغو حظت بعدد كبير من هؤلاء الناشطين المستهدفين.
وقد تسلم كلّ منهم مذكرة استدعاء من قبل النائب العام "هولدر" للمثول أمام هيئة المحلفين الكبرى تحت بند الدعم المادّي للارهاب. وهيئة المحلفين الكبرى هي مجموعة من المحلفين اختارهم الادعاء. ولهم الحق بمحاكمة المستدعى بدون وجود قاض وبدون وجود محام دفاع. وللمحلفين الحق أيضا في استجواب الماثلين ويجب عليهم الاجابة. ويستمع المحلفون إلى الادعاء وشهوده الذين لا يستطيع المستهدفين استجوابهم. هذا وقد تستخدم الأدلة السرية في المحاكمة أيضا.
ويجب أن أذكر أن محاكمة هيئة المحلفين هي محاكمة مغلقة غير مفتوحة للعامّة، الاعلام أو حتى لمحام الدفاع لذلك يسهل من خلالها تجريم المستهدفين الماثلين أمامها واستخدام ما ييدلون من أقوال لادانة زملائهم والوصول إلى غاياتهم.
وفي غياب العدالة القانونية والدستورية التي تجري بمحضها هذه المحاكمة، فقد قرر كلّ من الناشطين المستهدفين الامتناع عن المثول أمام هيئة المحلفين واللجوء الى حقهم الدستوري في تعديل البند الخامس بعدم تقديم شهادة على انفسهم . وقد تكون عاقبة ذلك إدانتهم بالعصيان أوعدم احترام المحكمة.
ويشهد التاريخ على استدعاء الناشطين الفلسطينيين في أمريكا للمثول أمام هيئة المحلفين من قبل. كما في قضية سامي العريان ومحمد صلاح وعبدالحليم الأشقر، حيث حوكم الأخير باحدى وعشرين سنة سجن لرفضه المثول أمام المحلفين.
يقول المحامي "مايكل دويتش" –محامي الدفاع في قضية محمد صلاح- في إحدى الحلقات التي عقدت في شيكاغو أبان حملات المداهمات للناشطين: "إن قانون الدعم المادّي للإرهاب هو قانون مبهم وواسع، بحيث يستطيع الإدّعاء استدراج طائلة من التهم تحت هذا المفهوم، و يتيح للادعاء المجال الواسع للاستجواب وتوجيه اتهامات بحق افراد أومنظمات أخرى. إن الامتناع عن المثول أمام هيئة المحلفين هو الحل الأمثل".
الحملة الوطنية لحماية حقوق الانسان ووقف حملات القمع الفيدرالي
إن الرد الفوري والجازم هو ضرورة قاطعة لوقف مثل هذه الحملات من التطاول على أفراد المجتمع وحرياتهم وحقوقهم. وقد تحرك فورا أفراد ومنظمات المجتمعات المحلية وقامو بتشكيل حملة وطنية ذات فروع في أكثر من عشرين ولاية أمريكية، لمواجهة وردع الحملات التعسفية. من خلال نشاطات منظمة ومتشابهة في أرجاء الولايات المتحدة، وتوعية العامة بتفاصيل القضية. سمية الحملة الوطنية لوقف حملات القمع الفيدرالية. وقامت بتأسيس موقع الكتروني بعنوان:
www.stopfbi.net
تستهدف الحملة إدانة انتهاك الحقوق الدستورية، والدفاع عن حقوق الأبرياء المستهدفين، ووقف إجراءات مذكرات الاستدعاء.
نظمت المظاهرات في كل الولايات احتجاجا واستنكارا لمهاجمة ناشطين السلام. وعقدت المؤتمرات وحلقات البحث والعمل. وتنقّل المستهدفون بين الولايات في مسيرات لتوعية العامة بما يجري وبحقوقهم الدستورية إذا ماحدث ذلك لأي منهم. وتم جمع التبرعات لصندوق الدفاع القانوني لهم.
كما وجّهت الحملة جهودها بالعمل مع صناع القرار من أعضاء اللجان التشريعية ومجلس الشيوخ. وارسلت وفودا إلي واشنطن وإلى كل مكان، مطالبة الممثلين التشريعيين بمناهضة حملة المخابرات الأمريكية والتحدث بالبرلمان ضدهم. وقد أصدرأحد عشرة من اعضاء البرلمان الأمريكي تصريحات تؤيد حقوق ناشطين السلام وتستنكر الاجراءات التعسفية ضدّهم.
وآخر هذه التصريحات مذكرة من عضو البرلمان الأمريكي" دنس كوسنج" إلى المدّعي العام "هولدر" ووزير العدل "فيتزجرلد". يستنكر الحملة الفيدرالية ضدّ الناشطين على أساس قانون الدعم المادي للارهاب، ويتسائل عن أسماء المنظمات الارهابية التي يدعمها الناشطون افتراضا، والأدلّة المبني على أساسها هذه الحملات.
يذكر كسنجر في مذكّرته: "إن قانون الدعم المادي للارهاب تم تعديله عدّة مرات في العقد الأخيرلكونه غير دستوري أو شرعي. وتم توضيح القانون والحاقه ببنود مؤخرا في يونيو للعام الماضي." ثم يضيف متسائلا: "هل ملاحقة هذه المجموعات والأفراد بهذا القانون المبهم هو حقا أفضل ما يقوم به موظفي وزارة العدل".
ومن أعمال الحملة الوطنية لحماية حقوق الانسان ووقف حملات القمع الفيدرالي هورفع عريضة وطنية لوقف مكتب التحقيقات الفيدرالي من قمع الناشطين في حقوق المهاجرين والتضامن الدولي والسلام والمناهضين للحرب، والغاء اجراءات هيئة المحلفين الكبرى، والغاء أوامر الاستدعاء، والغاء نظام هيئة المحلفين الكبرى.
وسوف ترفع هذه العريضة إلى الرئيس أوباما ووزير العدل فيتزجرلد، والنائب العام هولدر، ومجلس الشيوخ، ومجلس النواب، واللجان القضائية، وقادة الكونجرس، والامم المتحدة، ووسائل الاعلام.
وتجمع التواقيع على هذه العريضة ويمكن التوقيع عليها على موقع الحملة الالكتروني ذاته:
http://www.stopfbi.net/petition/national
كما سارع الأكاديميون في مؤسسات التعليم العالي والعلماء المستقلّين برفع مذكّرة إلى الرئيس أوباما. يطالبون أوباما من إعتراض قرارات المدّعي العام وعكس القرار بملاحقة المستهدفي بدون اتهامات جنائية ضدّهم. وذلك في الوقت الذي استجاب به الرئيس أوباما لانتفاضة الشعوب في الشرق الأوسط وأشاد بشجاعة المتظاهرين الذين تجرّؤوا على قول الحقيقة للسلطة.حيث يستنكر الأكاديميون الموقف المزدوج بالثناء على المعارضة في أماكن أخرى والمعاقبة عليها في الداخل حين تنادي بنفس المنهاج. واستدلّ الأكاديميون بفهمهم للاهمية الحاسمة لحرية التعبير والتشكيل التي يعلمون بها طلابهم ليصبحوا مفكرين وعاملين بماتمليه عليهم ضمائرهم. واضعين كل الامل في الرئيس أوباما الذي لن يكون رئيسا يضع منظمى المجتمع السلمي وراء القضبان.
ومما لاشك فيه أن حملة الاستخبارات الفيدرالية أدّت إلى نتائج عكسية باثارة الراي العام وتصاعد التوعية الحقوقية وتآلف عدد كبير من المنظمات ووسائل الاعلام بنشر الحقائق المتعلقة بالقضية.
والحقيقة المرة أن حملة القمع الفيدرالي قد لا تقف عند الثلاثة والعشرين ناشطا بل قد تكون بداية مخطط هجوم على قاعدة واسعة من الحريات والافراد. وهي ليست قضية حاتم أبودية بل هي قضية لجم لمسيرة منظمة وواعدة ضد السياسات المتطرفة الداخلية والخارجية وقمع للفرسان الذين يقودون مسيرة العدالة في كل مكان. وهي محاولة لاذلال المجتمعات وتفكيكها.
بينما تسعى لجان الحملة لوقف حملات القمع بتوعية الافراد والمجتمعات بحقوقهم وعدم الاستكانة لمحاولة قمع الشجاعة هذه. وأن أفضل السبل اللدفاع هو التضامن والدعم للحملة وأنشطتها القادمة، والاصرارعلى حرية التعبير والتشكيل، ومقاومة الهجوم على العدالة وعلى أي فرد من أفراد الجماعة. فالظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان –مارتن لوثر كنج-
Name (required)
Email (required)
Website
Notify me of followup comments via e-mail